حق الطفل في الحياة الأمنة

د. منى كامل تركي

 

حق الطفل في الحياة الأمنة وفقاً للشريعة الإسلامية  

قال تعالى  ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً فإن منح الذرية من الأبناء والبنات نعمة من الله تعالى يستحق عليها الشكر الكثير الجزيل ، والثناء الدائم ، لأن الذرية أمل البشرية منذ وجدت ، وقال عز وجل : ] الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً وقال تعالى ] وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ  وهذه النعمة ذات أثر عظيم على الإنسان وتلتقي مع فطرته وغريزته فإذا بشر الناس بالمولود تلألأت وجوههم بالبشر والفرح والسرور ، وامتلأت قلوبهم بالسعادة والحبور وانتظروا من الأهل والأصدقاء التهنئة به ، لأن مولود اليوم هو رجل المستقبل وأمل الوالدين وذخر الأمة ، والطفل امتداد لحياة الإنسان على الأرض ، وهو فرع من شجرته وثمرة من غراسه ، ولا يتمنى أحد أن يكون أحدا أحسن منه إلا أن يكون ولده .

فالابن حتى بلوغه الثامنة عشرة، ومع ذلك يعتبر الابن في كنف رب الأسرة ولو جاوز هذه السن، إذا ثبت استمراره في التعليم وحتى تمام تعليمه أو حتى التحاقه بعمل. وكذلك البنت حتى تمام تعليمها ما لم تتزوج أو تلتحق بعمل يولد الطفل على الفطرة ويفتح عينه على الحياة ليرى أمه وأباه يحوطانه بكل شيء وينظر إلى الوجود من خلالهما، ويبصر الكون بأعينهما، ويستقر في قرارة نفسه بأن الأب والأم هما كل شيء في العالم ، فيستمد منهما العطف والحنان ، ويتوجه إليهما للحماية والرعاية ، ويلجأ إليهما في كل صغيرة وكبيرة ، وتنساب أسئلته بالاستفسار كالسيل المدرار ، حتى يعجز كثير من الآباء والأمهات عن الجواب ، ويقنع الولد بكل جواب ، ويصدق كل ما يسمع من والديه ، مهما كانت الأفكار سخيفة أم رائعة ، كاذبة أو صادقة ، ويكون عقل الطفل في مرحلة الطفولة الأولى كالطين ، يمكن للأب أن يشكلها كما يشاء ، وتكون نفسه كالصفحة البيضاء تخط فيها الأم ما تشاء ، وتثبت عليها ما تريد ، ويمتاز الطفل بحب التقليد والمحاكاة لتحركات والديه وتصرفاتهما ، لذا يتحمل الوالدان المسئولية الأولى عن تصرفات أولادهما في الصغر ، كما يتحملان المسئولية الأولى عن التربية والإعداد والتثقيف والتوجيه لما يحبه الله ويرضاه ، وقد خصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  بهذه المسئولية في الحديث الصحيح : (( والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسئول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسئولة عنهم ))

فالمسئولية على الوالدين عظيمة ، وتترتب عليها نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة ، فيلتزم الوالدان أن ينشآ أولادهما على الإيمان الكامل ، والعقيدة الصحيحة ، وأن يعوداهما على التكاليف الشرعية والآداب الإسلامية والأخلاق الفاضلة  وإن إعداد الجيل المؤمن الصالح يقع على عاتق الآباء والأمهات أولا ، لأن الطفل ينظر إلى والديه وكأنهما المثل الأعلى ، ويلتف حولهما ، ويطرح عليهما الأسئلة ، ويعتقد أنهما يحوزان العلم وأنهما كل شيء في الوجود فهما الأنا الأعلى بالتعبير التربوي الحديث ، ويتلقى الطفل منهما في بدء حياته كل توجيه لقناعته الكاملة بكل ما يقولان وتسيطر على أحاسيسه تعابير والديه ، ولا يقتصر الأمر على التوجيه المباشر ، بل يقلد والديه في أشياء كثيرة سواء كانت حسنة أم سيئة بطريق مباشر أم غير مباشر ويستحوذ على فكره اللاشعوري كثير من تصرفات الوالدين في الرضا والغضب في الحب والكره ، في السعادة والشقاوة ، وإن هذه الظروف العامة المحيطة ، والقناعة المطلقة ، لا تتوفر في أي مرحلة من مراحل التربية كما تتوفر للطفل في أسرته ومع والديه ، بالإضافة إلى الدوافع الفطرية بالمحبة المتبادلة والتضحية اللامتناهية مع الآباء والأمهات لأولادهم ، وأنهم أمل المستقبل وسبيل البقاء والاستمرار ، لذلك كانت مسئولية الوالدين في التربية أول المسئوليات وأهمها أمام الله تعالى

وقد صرح رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بوظيفة الوالدين في تربية الأولاد فقال عليه الصلاة والسلام : (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )) وخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم  الآباء والأمهات ومن يقوم مقامهم في تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بتربية الأولاد فقال عليه الصلاة والسلام في مجال التربية البدنية مثلا : (( علموا أولادكم السباحة والرماية والمرأة المغزل )) ورغب رسول الله صلى الله عليه وسلم  الوالدين بتأديب الأولاد وأنهما يكسبان الأجر والثواب عند رب العالمين فقال عليه الصلاة والسلام : (( ما نحل والد ولد أفضل من أدب حسن ))  فإن تخلي الآباء والأمهات عن ذلك فقد لحقهم إثم كبير ووباء عريض ونالوا خسارة جسيمة وخانوا الأمانة التي وضعها الله في أيديهم ، وأضاعوا الوديعة التي كلفهم الله بحفظها وتحملوا مسئولية ذلك في الدنيا والآخرة ، لذلك حذر القرآن الكريم الآباء والأمهات من ذلك ، ونبههم إلى خطره وأنهم مسئولون عن أهلهم كمسئوليتهم عن أنفسهم بترك المعاصي وفعل الطاعات فقال تعالى ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  

 

حماية الأولاد مادياً : إن حماية الأطفال من الوقوع ضحايا للإساءة والإهمال في صغرهم هي حفظ لإفراد المجتمع من الوقوع في الجرائم والانحرافات لأن ضحايا الإساءة والإهمال هم أكثر الناس احتمالية للانحراف وارتكاب الجرائم  فالأطفال المتعرضين للإساءة والإهمال من المتوقع أن يعانوا من الفشل وقلة التحصيل الدراسي والافتقار إلى التربية السليمة التي تكون أحد مسببات النجاح مما يقود إلى الفشل الكامل في الحياة لهؤلاء الأشخاص وأن حماية الأطفال من الإساءة والإهمال هي حيلولة دون وقوع مضاعفات لهذا الإهمال على شكل إعاقات بدنية أو ذهنية أو انحرافات جنسية وحماية الأطفال من الإساءة والإهمال هي إنقاذ مبكر لحياة الطفل حيث تشير الدراسات الحديثة إلى الربط   بين إساءة المعاملة والإهمال في الصغر والأمراض والإعاقات المزمنة التي يعاني منها الأشخاص البالغين الآن والتي قد تقود إلى الوفاة وذلك بسبب تعرض الطفل لأي شكل من الإهمال أو إساءة المعاملة عندما كان صغيراً وتتمثل الحماية المادية في حق الطفل في الحياه ، وحقه في نشأته من علاقة شرعية سليمة بين الأب (الرجل) والأم (المرأة)  واختيار كل منهما للآخر بعقد زواج شرعي؛

فالحياة التي وهبها الله للمخلوقات وخاصة الإنسان، حق يجب ألا يعتدي عليه أي شخص من غير وجه حق، ويجب أن تصان ويحافظ عليها، ولقد حرمت كل الأديان قتل النفس البشرية، وأكدت على وجوب توفير الحياة الكريمة للإنسان، التي تحافظ على إنسانيته وآدميته، وجاءت الإعلانات والاتفاقات العالمية لتؤكد على حق الحياة، واستمرت هذه الإعلانات والاتفاقات تتوالى من العام 1924 وحتى يومنا هذا، وكذلك أكدت دساتير الدول على هذه القضية، ومن أهم ما تم التصريح به في حق الطفل بالحياة إعلان حقوق الطفل الصادر في عام 1924، والذي أكد على حاجة الطفل للحماية والرعاية؛ لعدم نضجه الجسماني والعقلي، وكما جاء في قرار الأمم المتحدة عام 1959 في المادة الثالثة أنه من حق كل فرد بالحياة، وشدد على السلامة الشخصية، وفي المادة السادسة أكد بأحقية كل شخص أن يتم الاعتراف بشخصيته، وفي المادة الخامسة والعشرين للأمومة والطفولة أكدت على الحماية الاجتماعية للطفل ؛ لينعم بحياة كريمة حيث أكد البند الأول على ضرورة عدم التمييز والتفريق في إعطاء الطفل حقوقه المشار إليها في الاتفاقية لأي سبب كان، أما البند الثاني أكد على ضرورة حماية الطفل؛ لضمان نموه المتكامل نمواً طبيعياً، والبند الثالث أكد على حق تعريف شخصية الطفل منذ ولادته من خلال الاسم والجنسية، والبند الرابع أشار للضمان الاجتماعي، وأهميته لنمو الطفل صحياً، من خلال توفير ما يكفيه من غذاء ومسكن ولعب وخدمات صحية، والبند الخامس لم يتجاهل رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. أما البند السادس نص على حق الطفل بأن ينشأ بين والديه وتحت مسؤوليتهما؛ لينعم بالحب والحنان والأمن، والبند السابع ركز على مجانية وإلزامية تعليم الطفل، خاصة في التعليم الأساسي، والبند الثامن شدد على ضرورة عدم استغلال الطفل في عمل ينعكس سلباً على تعليمه، وصحته، ونمو نمواً سليماً، والبند التاسع أكد على ضرورة بث ثقافة التفاهم، والتسامح، والسلم، والصداقة بين شعوب الأرض، دون تمييز عنصري، أو ديني، أو أي شكل من أشكال التمييز. تعتبر اليونيسف من المؤسسات الدولية المعنية في حماية حقوق الطفل ومساعدته؛ لتلبية احتياجاته الأساسية، وإتاحة الفرص له للوصول إلى أعلى درجات قدراته وطاقاته.

حق حفظ النفس:  أول حق للطفل حقه في الحياة؛ كون الطفولة من مظاهر القدرة الإلهية ألا ترى أن الله تعالى خلق الطفل في رحم المرأة من نطفة هي غاية في الصغر لا ترى إلا بالمجهر المكبر، قال تعالى: (( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً)) كما يجب اختيار الأبوين الصالحين إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يهتم بهذا الأمر وأغفله، وكذلك لم تهتم منظمة اليونيسيف بحقوق الطفل قبل أن يولد كما حفظها الإسلام فالضمان والأمان للطفل وحقوقه يكمن في العلاقة الشرعية السليمة بين الأب (الرجل) والأم (المرأة) واختيار كل منهما للآخر بعقد زواج شرعي؛ لأن الحمل قبل عقد زواج مشروع هو من الزنا، والزنا اعتداء على الطفل نفسه إذا نتج عن تلك العلاقة غير المشروعة حمل غير شرعي ، فللطفل حق طبيعيً في النمو والعيش أمان مع والديه، ويوفر القانون الحماية التامة للطفل وعدم فصله عن والديه على كره منهما إلا بحكم قضائي، بل اتخذ إجراءًا وقائياً – حيث نص قانون الأحوال الشخصية على عدم قبول الدعوى إلا بعد عرضها على لجنة التوجيه الأسري رهناً بإجراء يرى أن هذا الفصل ضروري لصون مصالح الطفل الفضلى ، مثل حالة إساءة الوالدين معاملة الطفل أو إهمالهما له، أو وجد في وضع يعرضه للانحراف أو يشكل خطراً على صحته وأمنه وتربيته  ولاشك أن التصدع الأسري نتيجة للخلافات بين الوالدين أو فقدان أحدهم أو كليهما بسبب الوفاة، أو الطلاق، أو الانفصال أو السفر، يحمل في طياته آثاراً سلبية غاية في الخطورة على نمو الطفل النفسي والوجداني والاجتماعي فالأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ، ويكفل القانون كيانها ، ويصونها ويحميها من الانحراف.

 

Close Menu