العنف المرتكب ضد المرأة

 

 

 

 

العنف المرتكب ضد المرأة

بقلم: د. منى كامل تركي

على الرغم من إقرار وتأكيد الأديان والمذاهب الإنسانية على الرحمة والرأفة والرفق بين بني الإنسان وعلى الرغم من حجم الأضرار التي تكبدتها وتتكبدها الإنسانية جرّاء اعتماد العنف أداة للتخاطب، وعلى الرغم من أن أي انجاز بشري يتوقف على ركائز الاستقرار والألفة والسلام. إلا أن الإنسانية مازالت تدفع ضريبة باهظة من أمنها واستقرارها جرّاء اعتمادها العنف وسيلة للحياة والتخاطب.

إن رواسب المنهاج الهمجي والعدواني مازالت عالقة في أذهان وسلوكيات البعض في التعامل والحياة معتمدين أرضية منهج العنف المضاد للآخر، فهي مشكلة قديمة جديدة لا تلبث أن تستقر في ساحتنا الإنسانية كل حين لتصادر أمننا الإنساني وتقدمنا البشري من خلال ممارسة السيطرة والعنف القسري ضد الأضعف

ويعرّف العنف بأنه سلوك أو فعل إنساني يتسم بالقوة والإكراه والعدوانية، صادر عن طرف قد يكون فردا أو جماعة أو دولة وموجّه ضد الآخر بهدف إخضاعه واستغلاله في إطار علاقة قوة غير متكافئة مما يتسبب في إحداث أضرار مادية أو معنوية لفرد أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة أخرى

فأن العنف ضد المرأة يعرّف بأنه سلوك أو فعل موجّه إلى المرأة يقوم على القوة والشدّة والإكراه ويتسم بدرجات متفاوتة من التمييز والاضطهاد والقهر والعدوانية ناجم عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة في المجتمع والأسرة على السواء والذي يتخذ أشكالا نفسية وجسدية ومتنوعة في الإضرار.

أما الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة والذي وقعته الأمم المتحدة سنة 1993 فقد عرّف العنف ضد المرأة بأنه (أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو جنسية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحريـة، سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة).

ومهما كان نوع العنف الموجه ضد المرأة فأنه يشكل بحد ذاته جريمة ولا يمكن أن يخرج عن كونه جريمة يجب توصيفها للوصول إلى الحد منها وعلاجها. فلكل جريمة أركانها الأساسية وهي الركن المادي والركن المعنوي ولها جاني ولها ضحية وهذا كله متوافر في العنف ضد المرأة.

فالركن المادي فيها يعني القيام بأفعال مادية يمارسها المجرم على الضحية وهو هنا يتمثل بشكل واضح في كل عمل عنيف يأتيه الجاني ضد الضحية المرأة، أما الركن المعنوي فيعني نية الجاني القيام بفعل عنيف موجه ضد الضحية وتوجيه إرادته نحو ذلك، وهو هنا واضح إذ أن الجاني يكون قاصدا – يعلم ويريد – ارتكاب فعل أو تصرف أو سلوك عنيف ضد الضحية.

وفيما يتعلق بالجاني أو مرتكب هذه الجريمة، فهو هنا الرجل والذي قد يكون زوج الضحية أو شقيقها أو والدها أو أي قريب من أقارب الضحية من الأصول أو الفروع أو الأقارب الآخرين وقد يكون غريبا عنها المهم هو الرجل في الغالب حتى وان كان العنف الممارس ضد المرأة هو عنف سياسي فأن من يوجهه هو الرجل.

أما الضحية  فهي هنا المرأة التي قد تكون زوجة الجاني أو شقيقته أو ابنته أو أمه أو أية قريبة من قريباته أو قد تكون غريبة عنه، وأداة الجريمة هي متنوعة فهي كل ما يمكن استخدامه في الاعتداء على الضحية أو إيقاع العنف عليها كالضرب باليد أو بالعصا أو أية أداة مؤذية أو بالركل بالأقدام أو الحبس أو محاولات الخنق أو الاهانات والشتائم أو بالتهديد بالإيذاء أو القتل أو التحقير أو الاهانات والإيذاء النفسي أو الاغتصاب أو ممارسة الجنس بالقوة أو التحرشات الجنسية أو أية وسيلة أخرى تشكل عنفا ضد المرأة بحسب تعريف الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

ولكن لابد من أن نشير إلى أن اشد الأسلحة أو الوسائل عنفا ضد المرأة يعتمده الرجل عند ارتكابه للعنف ضد المرأة هو (القانون أو التشريع) فهناك عدد لا يستهان به من القوانين والتشريعات التي تشكل عنفا وتمييزا ضد المرأة وتسمح للرجل بأن يمارس عنفه ضدها أو تبرره له فضلا عن غياب نصوص تشريعية تجرّم أفعالا يمارسها الرجل ضد المرأة وتشكل عنفا وانتهاكا لحقوقها وآدميتها وكرامتها

يرتبط العنف ضد المرأة ارتباطا وثيقا بعلاقات القوى غير المتكافئة بين الرجال والنساء والتمييز القائم على النوع الاجتماعي ويتفاعل معهما. ويشكل الحق القائم في عدم التعرض للعنف والتمييز القائمين على العرق أو الجنس أو التعبير أو الهوية أو العمر أو النسب أو الدين وكذلك الكرامة المتأصلة والمتكافئة لكل امرأة ورجل وطفل، أساسا لحقوق الإنسان.

إن العنف ضد النساء هو نتيجة للتراكمات التاريخية غير المتساوية بين الرجال والنساء والتي أدت إلى الهيمنة والتمييز ضد النساء من قبل الرجال والى منع التقدم الكامل للمرأة، وهذا العنف ضد النساء هو أحد الآليات الاجتماعية الحاسمة التي أجبرت بها المرأة على التنازل عن احتلال مواقع متساوية مع الرجل. فالاعتراف بمسألة العنف ضد المرأة والتمييز القائم ضدها مرّ بتطورات تاريخية مهمة وما الاعتراف الدولي لهذه القضية إلا نتيجة لسنوات من العمل على جميع الأصعدة والتي من أهمها المؤتمرات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة.

فقد لقي العنف ضد المرأة اهتماما متناميا من الأمم المتحدة كونه شكلا من أشكال التمييز ضد المرأة وانتهاكا لحقوقها الإنسانية، وألزم المجتمع الدولي نفسه بحماية حقوق الفرد امرأة كان أو رجلا، وكرامته بمعاهدات وإعلانات متعددة هذا ويعد ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتمد في سان فرانسيسكو سنة 1945 أول معاهدة دولية تشير في عبارات محددة إلى تساوي الرجال والنساء في الحقوق، إذ ورد في ديباجته ( …. وان نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية ….) كما ورد في المادة الأولى من الميثاق وفي الفقرة (3) منها أن من ضمن مقاصد الأمم المتحدة تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.

وقد اتخذت مسألة العنف ضد المرأة مكانا بارزا بسبب عمل المنظمات والحركات النسائية على مستوى القاعدة الشعبية في العالم اجمع وقد دعت النساء إلى اتخاذ تدابير لمعالجة هذه الانتهاكات على الصعيدين الوطني والدولي وكشفن عن دور العنف ضد المرأة كشكل من أشكال التمييز وآلية لأدامته، ونتيجة لذلك وضعت مسألة العنف ضد المرأة على جدول الأعمال في سياق العمل على إحقاق حقوق المرأة في الأمم المتحدة وكان للتفاعل بين الدفاع عن المرأة في مختلف أنحاء العالم ومبادرات الأمم المتحدة على مدى بضعة عقود الماضية عاملا محرّكا في تحقيق هذا الانتباه غير إن زيادة الانتباه إلى العنف ضد المرأة برزت بالدرجة الأولى في سياق عقد الأمم المتحدة للمرأة (1975 – 1985) وعملت الجهود النسائية حافزا في توسيع نطاق فهم العنف ضد المرأة.

يتخذ العنف ضد المرأة أشكالا عدّة ويمكن أن تشمل عنفا بدنيا وجنسيا ونفسيا وإساءة معاملة اقتصادية واستغلالا في سلسلة من الأوضاع من القطاع الخاص إلى القطاع العام، وفي عالم اليوم المتسم بالعولمة تتجاوز الحدود الوطنية، وتعد تسمية أشكال ومظاهر من العنف ضد المرأة خطوة هامة نحو الاعتراف بها ومعالجتها. وقد أظهر تقرير أصدرته الأمم المتحدة في عام 2001 إن واحدة من بين كل ثلاث نساء في العالم تتعرض للضرب أو الإكراه على ممارسة الجنس أو إلى إساءة المعاملة بصورة أو بأخرى، وغالبا ما تتم هذه الانتهاكات لحقوق المرأة بواسطة إنسان يعرفنه، وثمة سلسلة من العوامل أيضا تؤثر في أشكال العنف التي تعانيها النساء وربما تكون أشكال مختلفة من العنف ضد المرأة مرتبطة بعضها ببعض أو يعزز بعضها بعضا.

1-فالعنف ضد المرأة داخل الأسرة: تمتد أشكاله عبر دورة حياتها من العنف قبل الولادة إلى العنف ضدها كامرأة مسنّة.

(أ)-فالعنف بين الشريكين في علاقات حميمة أو كما يشار له بعبارة العنف العائلي أو إساءة المعاملة بين الزوجين ثبت انه الأوسع انتشارا بين أشكال العنف ضد المرأة كافة. ويشمل الأشكال الآتية (أعمال الإكراه الجنسي والنفسي والبدني التي يمارسها ضد نساء بالغات أو مراهقات شركائهم دون رضاهن. والعنف البدني الذي يشمل استخدام القوة البدنية أو القوة المادية أو السلاح قصدا لإيذاء أو جرح المرأة. أما العنف الجنسي فيشمل الاتصال الجنسي بصورة اعتداء دون رضاء المرأة – سواء المتزوجة أم غير المتزوجة، في حين يشمل العنف النفسي السيطرة على المرأة أو عزلها وإذلالها أو إحراجها، ويشمل العنف الاقتصادي حرمان المرأة من الحصول على الموارد الأساسية والتحكم بها).

(ب)-أما في الممارسات التقليدية المؤذية فيشكل وأد البنات، واختيار جنس الجنين، والزواج المبكر والعنف المتصل بالمهر وختان الإناث، والجرائم التي ترتكب باسم الشرف، وإساءة معاملة الأرامل بما في ذلك دفعهن للانتحار، فهو يشكل ذلك شكلا من أشكال العنف ضد المرأة التي تعد ممارسات تقليدية مؤذية ويمكن أن تشارك فيها الأسرة والمجتمع المحلي.

Close Menu