السلوك الإجرامي والظاهرة الإجرامية

أ.د. منى كامل تركي

أستاذ القانون الدولي العام – مستشار بحث علمي محكم دولي

تعتبر الظاهرة الإجرامية في علم الإجرام والعقاب سلوك إجرامي سواء في الجانب الشخصي للفرد المجرم أو في الجانب الموضوعي للسلوك الإجرامي بصورته المجردة، حيث يرتبط الجانب الشخصي والموضوعي للسلوك الإجرامي مما يصعب الفصل بينهما، فالظاهرة الإجرامية تشمل السلوك الإجرامي بشقيه الشخصي والموضوعي معا. فهي سلوك إنساني يحدث في المجتمع اضطراب بسبب خرقه لقواعد الضبط الاجتماعي، فقد توجد أسبابها في تكوين الفرد أو في ظروف الجماعة وفي جميع الحالات تحدث اضطرابات في العلاقات الاجتماعية، كما عرفها البعض بأنها مشروع إجرامي احترافي يقوم على تكرار وقوع نوع معين من الجرائم بأسلوب إجرامي واحد في منطقة جغرافية معينة وفي فترات زمنية متعاقبة سواء قامت بها جماعة إجرامية واحدة أو جماعات مختلفةوتختلف الجريمة العادية عن الظاهرة الإجرامية في أنها مشروع إجرامي يبدأ وينتهي باكتمال الوقائع المكونة للجريمة أو بحدوث الفعل الجرمي أو النتيجة الجرمية ( مادة  31/ قانون العقوبات الاتحادي) ولا تحمل الجريمة العادية معنى التكرار أو تضمن الاستمرار، فهي تقع من فاعل أو عدد من الفاعلين على ضحية أو عدد من الضحايا في وقت واحد أو أوقات متقاربة ومكان واحد وتنتهي الجريمة باكتمال عناصرها وبالفعل الجرمي.

أما تعدد النشاط الجرمي للفرد لا يشكل في حد ذاته ظاهرة إجرامية، كما لا تعتبر الجريمة المستمرة ظاهرة إجرامية مثل قيام شخص بالقتل تمهيداً للسرقة، والتعدد المادي للجرائم كما لو قتل المجرم عدة أشخاص في وقت واحد أو أوقات متقاربة ووقف عند حده، وكذلك حالة التعدد الصوري للجريمة مثل تطبيق أكثر من نص على جريمة واحدة فهذه الصور من الجرائم لا تمثل ظاهرة إجرامية بالمعنى المقصود في تعريف الظاهرة الإجرامية.

فالجريمة العادية تقع على ضحية واحدة أو عدد من الضحايا في زمان ومكان واحد أو قريب من الفعل الإجرامي الأول ولا يغير من طبيعتها بعد المكان واختلاف الزمان مادام أن الفعل الإجرامي أو الشروع به ينتهي بتحقق الجريمة، وهي مشروع فردي أو بالمساهمة ولا يتسم بالديمومة ، في حين أن الظاهرة الإجرامية تقع على عدد كبير من الضحايا، وغير محددة سلفاً، ولا يحددها الزمان ولا المكان وتتم في أوقات زمنية مختلفة أو متعاقبة وتقع في منطقة جغرافية أوسع من الجريمة العادية، وتضمن الظاهرة الإجرامية معنى الديمومة والاحتراف المنظم حتماً، وهي ظاهرة واقعية وحقيقية إنسانية دائمة، فالجريمة تمس شعور كل فرد من أفراد المجتمع وهي اعتداء على فكرة الحياة الاجتماعية التي تقوم على التضامن بين أبناء المجتمع فضلاً عن انعكاساتها الخطيرة على توازن المصالح والقيم داخل المجتمع بما تمثله من اعتداء على تلك المصالح والقيم، فقد أولت التشريعات الاتحادية المعاقبة على الجرائم في كافة مستوياتها وأساليبها الإجرامية المستحدثة، وتحديد الخصائص المشتركة بين جميع الظواهر الإجرامية مما يسهل عملية تشخيص الظاهرة الإجرامية من قبل المختصين ورجال الشرطة وملاحقة مرتكبيها وإلقاء القبض عليهم لينالوا جزاءهم العادل على يد القضاء على ما ارتكبوه بحق أبناء مجتمعهم.

وتتسم بالعنف فتقوم على أساس استخدام العنف، وهو استخدام غير قانوني لوسائل القصر المادي أو البدني ابتغاء تحقيق غايات شخصية أو اجتماعية، فالضغط أو القسوة استخدام غير مشروع أو غير مطابق ضد القانون من شأنه التأثير على إرادة فرد ما، ويأخذ العنف وجوه متنوعة تمثل فقد للنظام المعياري ومنع الحقوق والواجبات عن أن تجازى فعلياً وينتج عنها انتشار العلاقات العدائية وافتعال الأفعال السيئة والخروج على القواعد والأعراف المألوفة واتباع أنماط سلوكية غير مرغوب فيها ونشئ صراعات واختلافات بين الأجيال بين القيم الثقافية السائدة والاعتداء بالإكراه على حقوق وحريات الأخرين، وخرق النظام والخروج عن القانون، مثل جرائم الجنح في محاولات ابتزاز المال بالتهديد والإكراه ، أو التهديد بإفشاء الأسرار ، أو في جرائم القذف والسب وهتك العرض.

فأسلوب ارتكاب الظاهرة الإجرامية يكشف عن مدى خطورة مرتكبيها، وتعداد وتكرار النشاط الإجرامي يؤدي إلى تعدد الضحايا أو المجني عليهم، وهي واحدة الهدف فالغرض منها واضح مثل جرائم سرقة المال أو الاعتداء بالضرب من أجل السرقة، ويتصف القائمين بها ( الجناة) بالبراعة الفائقة في ارتكابها حيث تنم عن براعة الجناة في الأسلوب الإجرامي، وبقدرتها على الانتشار السريع  الأمر الذي يتطلب مواجهتها والتصدي لها بشكل فوري وتتمثل عناصر الظاهرة الإجرامية في تكرار الفعل الإجرامي  فالعنصر الأساسي في تكوين الظاهرة الإجرامية هو التكرار والتعدد، فوقوع حادث واحد، أو جريمة إجرامية واحدة لا يشكل ظاهرة إجرامية، ووجوب شرط التعدد لا يتطلب عدد محدد من الجرائم، ولكن تكرار وتعدد الإجرام يمثل ارتفاع معدل ارتكاب نوع معين من الجرائم بصورة غير مسبقة في المجتمع يعتبر ظاهرة إجرامية.

وكذلك تطابق الجرائم المتكررة وذلكتكرار وجود نفس الجريمة في أماكن مختلفة وتماثل وتشابه طريقة أداء الجرم بحيث يمكن القول إنها تكاد تكون واحدة من شدة تماثلها، ولكي يتحقق ذلك التماثل لابد من توافر شروط منها وحدة محل ارتكاب الجرم، كأن تقع على إنسان، أو مسكن، أو متجر، أو سيارة، مع وحدة الهدف من الجرم، مثل قتل إنسان، أو اغتصاب، أو سرقة. بالإضافة إلى وحدة الأسلوب الإجرامي فكل مجرم محترف يتخصص في جريمة معينة وهو يرتكبها بطريقة خاصة به وحده يرى أنها أسهل الطرق، مثل محل الحادث، الآلات التي يستعملها الجاني، الهدف من الجريمة أو موضوعها، وقت الارتكاب، ملابس الجاني، طريقة التوجه لمسرح الجريمة أو الهروب منه، فيصبح أسلوبه في ارتكاب الحوادث واحدًا في كل مرة ويصبح علامة مميزة له ويتحدد مكان مسرح الجريمة بأن يكون المكان أو مسرح الجريمة مرتبط بمحل الظاهرة أو هدفها أو مرتكبيها، فقد يكون الجناة من المقيمين بالمكان أو أحدهم مقيمًا به، أو يترددون على نفس المكان محل الجريمة بصفة دائمة ومستمرة، وتقارب توقيت ارتكاب الجرائم حيث ترتكب الظاهرة الإجرامية خلال فترات زمنية متلاحقة ومتتابعة ومتقاربة في الوقت.

نشر بمجلة واحات اجتماعية دائرة الخدمات الاجتماعية بالشارقة

Mona_a5

dr-monatourky abody_88888@yahoo.com
Close Menu