الاعتداء على الأفكار صارخ على إبداع الموهوبين وحقوقهم

د. منى كامل تركي

الاعتداء على الأفكار صارخ على إبداع الموهوبين وحقوقهم

سرقة الأفكار والمعلومات ظاهرة موجودة في كل زمان ومكان، تحدث بين زملاء العمل الواحد، في الشركات والمؤسسات، أو بين الأصدقاء والمعارف في جميع أنحاء الحياة، عندما يقوم البعض بالبوح والتحدث أمام الآخرين عن فكرته التي اختزلها في نفسه من أجل الشروع في تنفيذها، وقد يحدث ذلك بسبب الثقة المفرطة في بعض الأشخاص أو بسبب الحماس الذي يجعل الشخص حسن النية يقوم بالإفصاح عما يدور في نفسه من أفكار، أمام شخص يسرق الفكرة ويستحل لنفسه إبداع الآخرين، فينقض عليها ليصنع لنفسه مجداً زائفاً من الوهم والشروع بالنجاح

كثيراً ما يدفعنا التهور الساذج إلى الإباحة بفكرة مبدعة خلاقة أمام صديق مقرب، أو عدد من المعارف أو أمام زملاء العمل، أو أمام شخص وثقنا به ثقة عمياء، لمنصبه أو مكانته في المجتمع أو للرغبة في العمل مثلاً وفي نفس اللحظة يقتنصها هذا الشخص الماكر المتسلق فيختزلها، ويحتفظ بها وسرعان ما يقوم بتنفيذها وينسبها لنفسه، لنتفاجأ ما بين يوم وليلة بأن المجهود الذي بذل ضاع هباء، وفي المقابل قد نلتزم الصمت، خوفاً من الوقوف أمام المنصب أو خوفاً من عدم وجود الدليل القوي المكتوب أو الحجة والبرهان على إثبات الحق في الفكرة التي ضاعت في خضم هذا المشهد الذي يتكرر على طول الخط في محيط الحياة مع أغلبية النبلاء

فهناك نقص حاد في السلوك والتفكير لدى هؤلاء الذين لا يقدرون مجهودات الآخرين، ولا يحترمون أفكارهم الإبداعية ومبادراتهم التي تخدم المجتمع، فكل فكرة براقة لها أهداف تشمل الجميع وتسهم في تسليط الضوء على ظاهرة ما ، لذلك يجب أن تقابل بالإشادة من الآخرين، ويجب عدم الاقتراب منها، فالحماس هو الذي يدفع البعض للحديث عن الأفكار والمبادرات أمام الآخرين دون الالتفات أن هناك نفوساً مريضة من الممكن أن تقدم على سرقة الأفكار، ومن ثم الاشتغال عليها بأرض الواقع بمنتهى التسلط والأنانية ونسب مجهود الأخرين لأنفسهم دون بذل أي جهد سرقة الأفكار. ما هي وكيف تتعامل معها؟

إذا كان الفرد يعمل في أي مجال يتعلق بالإبداع، فسوف يكون مضطرًا للتعرض مع ما يسمى بسرقة الأفكار، سواء فوجئ بأحد الزملاء يسرق أفكاره وينسبها لنفسه، أو فوجئ بأنه متهم بسرقة الأفكار مع سبق الإصرار والترصد، دون أي تعمد منه، فالعمل بطبيعته بيئة شديدة التنافسية تلزم دائمًا تطوير النفس، وتلزم أن يكون الشخص قادرًا على الإتيان بكل ما هو جديد، حتى لا يترك لأحد مجال لسرقة أفكاره، لكن كل هذا يثير التساؤل ما الحدود الفاصلة بين سرقة الفكرة وتطويرها؟ وماذا يجب علي أن أفعل عندما أٌفاجئ بأحد الزملاء سرق أفكاري التي بذلت فيها مجهودًا كبيرًا؟

أن المعنى الحقيقي للفكرة يظهر عندما يبدأ الفرد في العمل عليها ويعمل على تطويرها ووضع تصور كامل بالتنفيذ، لكن رغم ذلك توجد سرقة أفكار تظهر في نقل العمل وتكراره «كوبي بيست» بتفاصيله، ثم نسبة الفكرة لغير أصحابها، فتطوير الفكرة هو العامل الأساسي الذي يفصل بين السرقة والعمل الأصلي، ونجد ذلك واضحاً بالأمثلة ففي بعض الإعلانات أو الدعايات أو المنشورات جاءت تقليدًا كاملًا لإعلانات ودعايات ومنشورات أخرى مع نسبة الفكرة للمعلن الجديد وليس لصحابها الأصلي، فلابد وأن تتوافر في العمل الأصالة بمعنى أن الفكرة والمعالجة تكون جديدة على من يراها ولا يشعر أنه رآها من قبل أو أن فيها نوع من التكرار، سواء تكرار العرض، أو التصميم، أو الحوار أو حتى طريقة الإلقاء، ومثالاً أخر لذلك فكرة الهواتف المحمولة لشركة نوكيا وشركة آبل فشركة نوكيا هي صاحبة أول فكرة للهواتف الذكية أو اللوحية، في حين أخذت شركة آبل التي كانت تعمل وقتها في مجال أجهزة الكومبيوتر فقط، وطورتها وتفوقت على صاحبة الفكرة الأصلية وبرعت في تصميم الآي فون بمواصفات وأفكار حديثة ومتطورة سنوياً

وكذلك ارتبطت كلمة السرقة بصفة عامة بأشياء كثيرة فهي غير مقتصرة على سرقة الأموال فقط بل تمتد فروع السرقة حتى تصل إلى سرقة أفكار الأخرين ومجهودهم وأفكارهم وهي بالتالي صارخ قاتل على الأخرين دون وجه حق، حين يقوم الشخص الذي يسرق أفكار الأخرين لنسب مجهود الأخرين لنفسه دون بذل أي جهد فهذه الفئة المحرومة من التفكير والإبداع دائماً ما تعتمد على البحث وراء الأخرين ومراقبتهم لاقتباس أعمالهم كاملة ( كوبي بيست) فتعيش فقط للسرقة وتستغل منصبها الوظيفي حتى تسرق جهد الأخرين دون مجهود وتقوم بنسب ذلك إلى نفسها بدون أي وجه حق ، وللأسف الشديد أن هذه الظاهرة منتشرة انتشار واسع النطاق ويعاني منها أشد معاناة الكثيرين خاصة الكتاب والمثقفين والمبدعين فالشخص المبدع يسهر الليالي حتى يخرج بأفكار جديدة هادفة ثم يأتي السارق ليأخذ كل هذا الجهد وينسبه لنفسه دون ضمير يحاسب أو رادع!

وهناك أيضاً فروع للسرقة وهي سرقة قائمة على الغيرة بين النساء وبعضهن البعض فالمرأة الحقودة عندما تشاهد امرأة أخرى متقدمة وناجحة في عملها وتتقنه وتخرج يومياً أفكار جديدة مفيدة تبدأ الحاقدة في سرقة جهودها ومحاولة تقليدها ولكن في النهاية تجد نفسها تقف أمام أبواب الفشل من أوسع أبوابه ولغيرة النساء وسرقتهن طابع خاص فهي لها فروع كثيرة أبرزها سرقة الزوج أو الحبيب فالأمر يرجع إلى عوامل نفسية وسلوكيات مضطربة من هؤلاء السارقين فهم إما مرضى نفسيين أو أشخاص أخلاقياتهم التربوية غير صحيحة وسليمة فهم مغيبون عن الواقع أو أن ضميرهم هو المغيب عن الواقع ففي أي منطق الذي يجعل شخص يقوم بسرقة الأخر وجعل نجاحه من نصيبه ظلماً وعدواناً على المبتكر المبدع للفكرة، ومن أبشع أنواع هؤلاء الأشخاص الذي يفتخر بنجاحهم المزيف المسروق أمام الأخرين وكأنه هو المبدع المفكر، إن مثل هؤلاء الفئة لا تستحق أي فرصة في الحياة لأن هناك الكثيرين ممن يفكرون ويبتكرون ولكن لا يصل صوتهم وليسوا في مكانة وظيفية تسمح لهم بترجمة أفكارهم على أرض الواقع فمن سمح لنفسه أن يهضم حق الغير ما هو إلا شخص مضطرب نفسياً

فحرية الفكر كانت ولا تزال الطاقة التي تساعد على تطور الحضارات الإنسانية، لذلك اعتنت القوانين الوضعية بحماية الأفكار وسنت لها المواد القانونية التي تحميها، إلا أن القوانين وحدها لا تحمي الفكرة في حد ذاتها، وإنما تحمي طريقة تطبيقها، ونظرا للطفرة الحضارية التي تشهدها دولة الإمارات فقد سنت القوانين ذات الصلة بموضوع حماية الملكية الفكرية، فهي من الدول التي تتحقق فيها أعلى درجات احترام حقوق الإنسان والحريات وبخاصة حقوق الملكية الفكرية، ومنها «قانون اتحادي رقم 40 لسنة 1992 م في شأن حماية المصنفات الفكرية وحقوق المؤلف

حيث نصت المادة (2) منه على أنه يتمتع بالحماية المقررة في هذا القانون مؤلفو المصنفات الفكرية المبتكرة في الآداب والفنون والعلوم أياً كانت قيمة هذه المصنفات أو نوعيتها أو الغرض من تأليفها أو طريقة التعبير عنها، وتشمل الحماية المصنفات الفكرية الآتية الكتب والكتيبات وغيرها من المواد المكتوبة، والمصنفات التي تلقى شفاهه، كالمحاضرات والخطب والمواعظ، والمؤلفات المسرحية والمسرحيات الموسيقية والمصنفات الموسيقية، سواء كانت مصحوبة بكلمات أو لم تكن، ومصنفات تصميم الحركات الإيقاعية والتمثيل الإيمائي، أعمال التصوير الفوتوغرافي، والمصنفات السينمائية والتلفزيونية والإذاعية والأعمال الابتكارية السمعية والبصرية وبرامج الحاسوب، وأعمال الفنون التطبيقية سواء كانت حرفية أو صناعية، وأعمال الرسم والتصميم والتصوير بالخطوط والألوان والعمارة والنحت والفنون الزخرفية والحفر، والتصميمات والمخططات والمجسمات الجغرافية والطبوغرافية والموسوعات والمنوعات والمختارات التي تشكل من حيث انتقاء مادتها وترتيبها وتحريرها أعمالاً فكرية إبداعية، كما تشمل الحماية بوجه عام المصنفات التي يكون مظهر التعبير عنها الكتابة، أو الصوت، أو الرسم أو التصوير أو الحركة.

لماذا يسرق هؤلاء أفكار البعض؟ هناك أسباب كثيرة لتفسير هذه الجريمة السلوكية منها وهي:

أولا: الأنانية المقيتة: فالشخص الضعيف هو الشخص الذي يتمسك بالأنانية وبأسلوب مقيت ولا يستطيع أن نتخلى عنها، وبسببها يتفاعل وكأنه في حلبة صراع حامية لتحقيق الغلبة وتدمير الآخر وغزوه فكريا وماديا ونفسيا وامتلاكه تماما

ثانيا: النرجسية: وهي حب الذات، وعدم وجود التفاعل مع الاخرين ويكون السلوك مشحون بالسلبية ورفض الآخرين وتأكيد الذات

ثالثا: الأنا المتضخم: أو ما تسمى بالأنا العرقية وهي متضخمة إلى أبعد ما يمكنها أن تتمدد وتعلن عن وجودها وقوتها وفعاليتها في المحيط الذي هي فيه. ولا يمكن لهذه الأنا أن ترضى بغيرها في ساحة وجودها

رابعا: العدوانية والكراهية: بسبب الظروف المتواصلة والتفاعلات المتكررة صار للعدوانية والكراهية دور متفوق في الحياة، وأصبح كل فعل عبارة عن تهديد أو تحدي للآخر، وفهم ما يبدر من الأخرين على أنه تحدي ومبارزة وعدوان وربما فعل كراهية ومقت

خامسا: ضعف التربية الوطنية: وهي التربية التي تبدأ من البيت والمدرسة والمجتمع وتتأكد بالتفاعل اليومي مع الأخرين وعندما يوجد قصور في التربية ذات القيم والأعراف والأصول ينتج عنه جهل قيمة الدور الوطني والتفاعل الإيجابي الذي تكون فيه مصلحة الوطن والمجتمع فوق مصلحة الفرد. وهذا يؤدي إلى تحقيق الاستهانة المتبادلة ما بين أبناء المجتمع.

سادسا: عدم الاحترام وهذه الظاهرة يؤكدها السلوك في جميع الدوائر والمؤسسات، ونراها واضحة في الردود على بعضنا البعض فيما نكتب ونقول وتكاد تكون ظاهرة سائدة وذات تأثير قوي في توجيه مسيرة الأنشطة العامة والخاصة فحين نفتقد معرفة أصول احترام بعضنا البعض فأننا نفعل ما يتعارض وذلك وبلا استحياء

سابعا: الأمية السلوكية وغياب ضوابط السلوك: السلوك يكون بالتقليد وبالانضباط، وعندما يغيب المثل وتنتفي الضوابط فأنه يكون مفلوت وبلا معايير تحدد اتجاهه وتقدر قيمته، وفي هكذا حالة لا يمكن للفرد أن يعرف مصير حقوقه ودوره في المجتمع، ويكون وجوده في حالة فوضى وتشوش وعرضة للسرقة والاستحواذ عليه من قبل الآخرين.

ثامنا: حب التسلط: غريزة تدفع إلى حالة الضعف والتردي، لأنها تلغي الطاقات والقدرات وتسخر الموضوع لخدمة الذات وفي هذا نهج ضار ومؤذي لتحقيق التفاعل البناء في المجتمع وضياع حقوق الفرد وقيمته

تاسعاً: جهل العمل الجماعي وأصوله: ففي المجتمعات التي لا تربي أبناءها على أسس وقواعد العمل سوية ومن أجل خدمة هدف سامي يؤكد وجودها، فأنها سوف تواجه بشرا لا يعرف إلا أن يعمل في أرشيف ذاته وبعزلة عن الآخرين وعدم الاكتراث لجهودهم وأهمية مشاركتهم في الحياة معه.

عاشرا: حب الامتهان والظلم: عقدة شرسة في السلوك وتدفع إلى التلذذ بالظلم والامتهان، وتبدو هذه العقدة في العديد من السلوكيات وخصوصا السياسية والفكرية والثقافية

الطريقة الأمثل للحفاظ على الأفكار

يجب أن يأخذ الشخص المُفكر الحيطة والحذر من هؤلاء وإخراجهم من دائرة معارفه وحياته فهؤلاء أشخاص غير سويين ويحتاجون للعلاج النفسي والسلوكي لهذه التصرفات بل ويعانون من فقدان شديد للثقة بالنفس ويكونون على قدر كبير من الغباء ويجب أن نفتش في طريقة تربيتهم لأنها بالتأكيد لها الدور الأكبر في تأسيس هذه الشخصية الحاقدة الغير سوية كما يجب أن نعتز فخراً بقول الله تعالى ((يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) سورة المجادلة الآية رقم 11 وتبيّن هذه الآية الكريمة أهمية العلم والتعلم حيث رفع الله عزّ وجلّ درجات أهل العلم، وأعلى من شأنهم في مواطن كثيرة في القرآن الكريم فقال عز وجل ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)) سورة الزمر الآية (9)

فالآية الكريمة لا تتحدث عن العلم المجرد، ولا عن العلماء بإطلاق، فالآية تتحدث عن طائفةٍ خاصةٍ من العلماء، ومجموعةٍ مباركةٍ منهم، وتعرض لسمات هؤلاء، وتبين صفاتهم، وتدعو كل من أراد أن تنطبق عليه أن يوجد في نفسه وحياته هذه الصفات والخصائص، فالعالم الذي لا يساويه غيره، فليس العالم الذي يحمل الشهادات العالية، أو يتخصص التخصصات العلمية النادرة، أو يعيش في معمله ومختبره وميدانه الساعات العديدة والأيام الطويلة، لكن العالم الجدير بأن يُسمى عالماً، هو الذي جمع بين ما سبق من العلم والمعرفة وبين ما تقدمه الآية من صفات، فالعلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة. هذا هو: القنوت لله، وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلع إلى رحمة الله وفضله، ومراقبة الله، هذه المراقبة الواجفة الخاشعة. هي الطريق المستقيم ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى ويسمع وما يجرب، وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة، من وراء المشاهدات الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء، وفي قوله عز وجل ((وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)) سورة الزخرف الآية رقم (32)

 

د. منى كامل تركي

مستشار البحث العلمي بجامعة الحياة الجديدة الالكترونية

Close Menu